سلك الانسان مسار تطوري معقد للغاية علي مدي ستة ملايين عام حتي وصل لما وصل اليه، وخلال ذلك طور قدراته وامكانياته، حيث اتاح له ذلك كسب معركة البقاء والتنافس مع بقية الكائنات الحية بدون منازع ، وكان اهم عنصر من تلك العناصر التي طورها الانسان العقل، مخ عملاق تبلغ كتلته ما يعادل 2% من كتلة الجسم كأكبر نسبة مخ الي الجسم بين جميع الانواع الحية عدا الدولفين، فالانسان لا يملك قوة الفيل ولا ضخامة الحوت ولا سرعة الفهد ولا انياب ومخالب الاسد ولا قدرة الذباب علي التكاثر، بل يملك فقط مخه ووعيه بذاته كسلاح وحيد لمجابهة الطبيعةوللمحافظة علي سلاحه الوحيد، فرض عليه ذلك ظروف نشأة تختلف عن بقية الكائنات الحية، فحتي ينمو هذا المخ ويتطور بصورة صحيحة كان لا بد ان تطول فترة حضانة الطفل البشري لتبلغ حوالي 20% من اجمالي عمره، كأطول فترة حضانة بين جميع الكائنات الحية، وطوال فترة الحضانة يكون الطفل تحت حماية ابويه. وفي الفترات الاولي من التاريخ البشري كان الانسان يحصل علي طعامه من الطبيعة مباشرة عن طريق الجمع او الصيد البدائي، وهذا النشاط يستهلك جل زمن الذكور في القبيلة البدائية، ولذا كان لزاما علي الاناث البقاء في المنزل لرعاية الاطفال خلال غياب الذكور والانتظار حتي يأتي الرجال بالطعام، وهنا بدأت مأساة اضهاد المرأة التي زالت الاسباب الموضوعية لحدوثها ولكنها لا تزال باقية الي يومنا هذا...
كان تقسيم الطعام يتم حسب رغبة الرجل في الانثي، فالانثي التي يرغب فيها يعطيها طعام مقابل ممارسته للجنس معها، وحيث ان مؤسسة الزواج لم تكن قد نشأت بعد، فإن الذكر الذي يستطيع ممارسة الجنس هو الذكر المظفر الذي استطاع جمع طعام كثير ، وبقية الذكور في الغالب يخرجون من المولد بلا حمص، ولأن عدد الرجال دائما يكون اكبر من عدد النساء (وما يزال عدد الرجال اكبر من عدد النساء في جميع انحاء العالم رغما عن الاسطورة التي تحاول ايهامنا بالعكس ويصدقها الجميع ويرددونها كالببغاوات في كل مكان) لذا قإن الصراعات بين الرجال لا بد ان تحدث، فيتقاتل الرجال للحصول علي النساء لأن كل رجل يعتقد ان جيناته هي الاحق بالبقاء...
وربما يكون قد حدث في يوم من الايام ان دارت في احدي القبائل البدائية معركة طاحنة بين الذكور نتيجة لقلة عدد النساء وقلة الطعام كادت تفنيهم جميعا، وهنا تفتق ذهن احدهم – ربما كان القائد بإعتباره اكثرهم ذكاء – عن فكرة عبقرية، لم لا يكون جميع النساء تحت سلطانه المباشر بأتفاق الجميع حتي يحقن الدماء ويقوم هو بتوزيع (الكوتة النسوانية ) علي من يستحق من الذكور؟ وطبعا من يستحق من الذكور هو الذكر الذي يأتي بأكبر قدر من الطعام للقبيلة البدائية ، وبهذا يضمن المحافظة علي حياة الذكور كما يضمن ان يوزع الطعام بشكل متساو علي من يحتاج من افراد القبيلة – وربما كان هذا هو مصدر عادة المهر الذي يدفع للعروس – وهنا يبرز سؤال: ماذا يفعل الذكر الذي لا يستطيع الحصول علي طعام كاف يؤهله للحصول علي انثي؟ ربما كان هذا الذكر يصبر حتي رحلة الصيد التالية او يمارس الجنس مع انثي ممنوحة لذكر اخر خلسة برغبتها بعيدا عن العيون، وهنا ظهر مفهوم الخيانة والشرف ، فأي ممارسة جنسية لأنثي كان يجب ان تكون معلومة لدي رأس القبيلة، وأي انثي و ذكر يمارسون الجنس خلسة يتحولون الي خائنين، وربما يعاقبوا بشكل ما او بآخر، وربما كان هذه هي بداية مفهوم الزنا.
وبمرور الزمن تحولت السلطة تدريجيا الي الاب نظرا لارتفاع عدد السكان وصعوبة المتابعة للأناث ، وانتقلت السلطة بجميع تبعاتها من ضمان عدم ممارسة الجنس خارج نطاق السلطة الذكورية ، ولأن ملاحظة ان الانثي التي تمارس الجنس لأول مرة ينزل منها دم مرتبط بنوع من الالم كان شيء سهل ، فإن الضمانة الاولي كان لا بد ان تكون غشاء البكارة ، والانثي التي غشاء بكارتها سليم هي انثي شريفة غير خائنة ، و هذه هي الضمانة الوحيدة لأستقرار الاقتصاد القبلي البدائي الذي يعتمد علي ان دافع الرجال للأنتاج هو الحصول علي انثي ، فالامر اصله اقتصادي في المقام الاول ثم اكتسب صفة الموروث المقدس لاحقا بعد تطور اساليب الانتاج واكتشاف الزراعة وتربية الحيوان.
اهتمام المجتمعات البدائية بموضوع العذرية تم ربطه بعدة ملاحظات اكسبته ثوب القداسة ، فالارض التي تزرع لاول مرة تعطي محصول جيد، والانثي التي يمارس معها الجنس لأول مرة هي الافضل من كل النواحي، فأنت تضمن ان اي طفل يأتي منها يكون حاملا لجيناتك وليس جينات غيرك وهو العقدة الرئيسية لكل الذكور في جميع الحيوانات الثدية، ومع تطور المدنية صار الاستعلاء الذكوري علي الانثي يحمل اشكال اكثر حدة، وادي ظهور مؤسسة الزواج كتطور طبيعي لأنتقال السلطة الي الاب بدلا عن مجتمع شيوع الانثي، الي عدة نتائج اهمها ان مسؤلية الاب المباشرة هي المحافظة علي عذرية الاناث التي تحت سلطته الي ان يقوم بتسليمهم الي ذكر اخر – نقل المسؤولية – بمقابل مادي – مهر – وكان المعيار هو غشاء البكارة ، فالذكر الذي دفع لا يرغب في الحصول علي بضاعة (مغشوشة) وكلما زاد المجتمع تخلفا كلما زاد اهتمامه بغشاء البكارة ...
غشاء البكارة في الاصل لا يحمل اي اهمية فسيولوجية – سوي انه يحمي الطفلة اثناء الحمل من دخول السائل الامنيوسي الي الرحم – فهو عبارة عن غشاء عضلي رقيق مكون من طبقتين بينهما نسيج يحتوي علي شعيرات دموية، وهو موجود في الانسان والشمبانزي والغوريلا وقرد الماكاك والاورانجوتان والحوت الازرق والدولفين وخنزير غينيا والخلد والخراف والاحصنة وغيرها من الحيوانات الثدية ، ويتخذ غشاء البكارة عدة اشكال منها القرصي والهلالي والذي يحتوي علي فتحة واحدة او فتحتين و من الممكن ان يكون علي شكل غربال، مهمة هذه الفتحات هي السماح لدم الحيض بالنزول، واحيانا لا تكون هناك فتحات وهنا يستلزم الامر التدخل الجراحي لعمل فتحة في غشاء البكارة حتي تسمح لدم الحيض بالنزول ، واحيانا كثيرة تولد الطفلة بدون غشاء بكارة علي الاطلاق ، وهناك نوع مطاطي من غشاء البكارة لا يتمزق الا مع الولادة الاولي و النوعين الاخيرين من السيدات يواجهن مشاكل كبيرة في مجتمعاتنا المتخلفة سأذكرها لاحقا مع امثلة من واقعنا السوداني خلال البوست، غشاء البكارة يزداد صلابة ويفقد مرونته بعد بلوغ المرأة سن الثلاثين، لذا من المفضل ان تفقد المرأة عذريتها قبل تلك السن حتي لا تصاب بأثار نفسية بالغة عند الممارسة لأول مرة، او يتم ازالته بواسطة الطبيب اذا تم الزواج بعد الثلاثين.
بالتدريج ومع ظهور الاديان اتخذ الامر شكل اكثر رمزية، حيث تحولت الانثي العذراء الي رمز ديني ، ولذا نجد ان جميع المعابد تستخدم عذراوات في خدمة الالهة ، كما نشأت اديان مخصصة لعبادة الانثي العذراء ابدية العذرية مثل إنانا وعشتار، وفي اليهودية نجد عذاراي الهيكل ، وفي المسيحية نجد الراهبات لا بد ان يكن عذراوات ، وظهر مفهوم الخطيئة الاولي او الاصلية – مرتبط بما ذكرته انفا من اختلاس الانثي من قبل ذكر لم يأتي بطعام – وكان تقديم عذراء للنيل حتي يفيض يعني تقديم اعز ما نملك لك ايها الاله حتي ترضي عنا ، وشرط التضحية البشرية للإله شاكال عند الأزتك في المكسيك ان الضحية يجب ان تكون انثي عذراء يراق دمها علي المذبح في اشارة واضحة لدم العذرية ، وتناثر الموروث هنا وهناك ، وحملناه في اعماق ذاكرتنا الجمعية دون ان ندري...
تطور المجتمع، وتغيرت العلاقات الاقتصادية، وصار رؤية المرأة العاملة هو القاعدة في معظم دول العالم وما عدا ذلك هو استثناء، وبذلك فقد الرجل مكانته الاقتصادية المسيطرة، وهو وضع طبيعي ونتاج متوقع للتطور في معارف الانسان التي اتاحت له التخلص من كثير من الخرافات حول قدرة المرأة، ومع اكتشاف الالات قل الاحتياج للقوة العضلية التي تمييز الرجال عن النساء، وصار الامر يعتمد بشكل كلي علي القدرات العقلية التي اثبتت جميع الدراسات تفوق النساء في جوانب كثيرة منها رغم انف كل المتخلفين الذين يصرون علي العكس، وبالتالي تساوت الفرص امام الرجال والنساء في جميع دول العالم المتحضر للحصول علي عمل، بل ان هناك الكثير من الوظائف التي تتطلب ذاكرة قوية وقوة ملاحظة تتفوق فيها النساء علي الرجال بشكل لاينكره عاقل.
ولأن العلاقات الاقتصادية تغيرت، قلت بشكل واضح اهمية غشاء البكارة في كل المجتمعات عدا المتخلف منها ، بل ان بعض المجتمعات الغربية تفضل الانثي التي كان لها تجربة جنسية قبل ذلك، لأنهم يعتبرونها مجرد تجربة تزيد من نضج المرأة مثلها مثل اي تجربة اخري، فالجنس لا يحمل هذا القدر من الاهمية والقدسية التي يوليها له المجتمعات الشرقية، فالمجتمعات الشرقية مهووسة بمسألة العذرية حتي اننا نفترض ان الزواج من فتاة عذراء هو شيء طبيعي لا يجب ان يثار حوله اي نوع من انواع النقاش، واي فتاة تفقد عذرييتها بسبب ممارسة جنسية قبل الزواج ولو كانت عابرة عليها ان تدفع الثمن طيلة عمرها، وينسون الرجل الذي يمارس الجنس قبل الزواج لأنه فقط لا يملك غشاء بكارة.
وكثيرا ما نسمع العبارة المضحكة التالية (شرف المرأة مثل عود الكبريت لا يصلح للإستعمال إلا مرة واحدة) وهي عبارة طالما اثارت انتباهي وتعجبي، ما علاقة شرف المرأة بغشاء البكارة ؟؟؟ هذه العبارة هي خير مثال لمقدار التخلف الذي نرزح جميعا تحته، ومثال جيد كذلك للثقافة الاستعلائية التي نتجت عن اكوام الموروث الذي يسيطر علي عقولنا ويجعلنا في ذيل العالم الي الان، فلا احد يستطيع ان يعطيني دليل واحد علي ان الفتاة التي فقدت عذريتها هي فتاة غير شريفة . فلو حللنا عبارة (شرف) بطريقة فلاسفة التحليل نجدها مرتبطة بشكل واضح بالاقتصاد فنجد عبارات مثل (المنافسة الشريفة - وكسب رزقه بكل شرف - وهو انسان شريف لا يسرق) فكسب العيش بشرف يعني ضد السرقة او الاختلاس او الاستيلاء علي حقوق الاخر وانسحبت عبارة شرف علي اشياء وموضوعات اخري ليس هذا مجال تتبع اصولها . وارتباط كلمة شرف بالاقتصاد يعيدنا للمربع الاول وهو الاصول الاقتصادية لثقافة الاستعلاء التي يمارسها الرجل علي المرأة.
هوس الرجل بالمحافظة علي (شرفه ) المتمثل في فرج زوجته او بنته يزداد كلما زاد المجتمع تخلفا، فالمرأة في الغالب هي موضع الشك والتساؤل في كل المجتمعات المتخلفة، لأن العلاقة اصلا قائمة علي نظرة دونية للمرأة وليست علاقة انسانية، فالرجل هو القائد والمرأة هي التابع في نظر الاغلبية الساحقة الذكور في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، وبالتالي هي ناقصة ويجب وضعها دائما تحت المراقبة، وليس هناك ما يستدعي رقيب علي اخلاقيات الرجل فأفعاله كلها مبررةبمبررات واهية، وليس له مؤشر لفقدان الشرف. ولهذا في القرون الوسطي في اوروبا اثناء الحملات الصليبية اخترعوا واحد من ابشع الاختراعات التي مرت علي تاريخ الانسانية، وهو ما يعرف بحزام العفة Chastity belt، وهو عبارة عن حزام جلدي يلتف حول وسط المرأة وبين فخذيها ومؤخرتها، وبه فتحتين صغيرتين لقضاء الحاجة وخروج الحيض، ولا يمكن فتحه الا عن طريق قفل يحمل مفتاحه الزوج الذي يسافر لسنين في الاراضي المقدسة، ويختم القفل بأختام رصاصية حتي لا يتلاعب به احدهم، ويذكر كاردانو ان روائح النساء الائي يرتدين حزام العفة تتحول الي رائحة قذارة لا يمكن احتمالها نتيجة لتقرح الاماكن تحت الحزام، وكثير من النساء متن وهن يرتدين حزام العفة بسبب الالتهابات وبسبب رفضهن لفتح الحزام فهذا يعني الموت لهن ايضا اذا عاد ازواجهم، هل رأيتم بشاعة اكثر من هذا؟ نظرتنا لغشاء البكارة لا تختلف كثيرا عن مفهوم حزام العفة هذا.
ان غرضي من هذا المقال فتح حوار بناء حول الاشياء التي كنا نظن انها قضايا غير قابلة للنقاش، وما يجب علينا فعله للحاق بالامم التي سبقتنا بسنوات ضوئية هو الحوار حول كل الموضوعات بدون اي خطوط حمراء، بهذا نفهم لم تفوق علينا الآخرون، بدلا عن نظرتنا الشوفينية للعالم، التي تقول لنا اننا علي حق مطلق وغيرنا علي باطل المطلق، فلا وجود لما هو مطلق، ونسبية الاشياء هي ما يحكم الكون. فالحوار يفتح الجراح ويترك الصديد يخرج,..


